لم تكن أزمة أضحية العيد في المغرب مجرد تذبذب في العرض والطلب أو ارتفاعاً موسمياً في الأسعار، بل كانت -بامتياز- “امتحاناً أخلاقياً وسياسياً” كشف عن فجوة عميقة بين ما تعلنه الحكومة من خطط، وما يعيشه المواطن في الأسواق. إن تحول الدعم العمومي من أداة للتخفيف إلى جزء من الأزمة ذاتها، يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى السياسات المتبعة.
سوء تقدير أم عجز بنيوي؟
إن التشخيص يميل إلى أن الخلل ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج “سوء تقدير” حكومي فادح. فالحكومة تتعامل مع الأزمات بمنطق “الرد فعل” لا “الفعل الاستباقي”. إن غياب الإجراءات القبلية المدروسة هو الذي أجهض أي محاولة لضبط السوق. فبدلاً من التحرك بآليات استباقية لحماية القدرة الشرائية قبل استفحال الأزمة، اكتفت الحكومة بإجراءات تجميلية لم تلمس عمق الجرح، مما يثبت أن قدرتها على استيعاب وتنزيل التوجيهات الملكية المتعلقة بـ “ثقافة الأثر” ليست في المستوى المطلوب، ولا تزال حبيسة منطق الأرقام والبلاغات التي لا تُطعم جائعاً ولا تخفف عبئاً.
أزمة الثقة.. القنبلة الموقوتة
إن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذه الأزمة ليست حدثاً معزولاً، بل هي مؤشر مقلق على “أزمة ثقة” تتفاقم بين المواطن والمؤسسات. فالدعم الذي يُصرف باسم المواطن ولا يصل إلى جيبه، يتحول في الذهنية الشعبية إلى “ريع” للمضاربين والمحتكرين. وفي سياق اقتراب موعد استحقاقات 2026، فإن تجاهل الحكومة لهذا الواقع الاجتماعي، وإصرارها على تغليب الحلول التقنية على الحلول الاجتماعية المباشرة، يعزز الشعور بانعدام الثقة في جدوى السياسات العمومية برمتها.
أين “روح” القرار الاجتماعي؟
يتساءل الكثيرون: لماذا تفتقر الحكومة إلى “روح” القرارات التي تستحضر الأثر الاجتماعي المباشر؟ الإجابة تكمن في غياب التخطيط القبلي الصارم. القرار الملكي العام الماضي لم يكن مجرد إعفاء، بل كان “رسالة” في الحكامة والتقدير السياسي. بينما الحكومة الحالية تفتقد لهذه الرؤية الاستباقية؛ فهي لا تتحرك إلا حين تقع الكارثة، وتلجأ للحلول المتأخرة التي لا تعدو كونها “ترقيعاً” للثقوب.
إن الدولة الاجتماعية التي يطمح إليها المغاربة لا تُبنى بالتصريحات والوعود الانتخابية، بل تُبنى بقرارات شجاعة، وبتدخلات استباقية تحمي المواطن من جشع المضاربين قبل أن يبدأ الموسم. لقد آن الأوان لربط المسؤولية بالمحاسبة، وقياس كفاءة الوزارات لا بحجم الميزانيات المخصصة للدعم، بل بمدى الأثر الملموس الذي يلمسه المواطن في معيشه اليومي. ما حدث في أزمة الكبش هو جرس إنذار حقيقي: إما أن تتصالح السياسة مع الأثر، أو تفقد شرعيتها الاجتماعية في نظر مواطن لم يعد يطيق التبريرات.